الجمعة، 14 نوفمبر 2008

فرع الهيئة العربية للمسرح بالسودان : سائلين عليك !

فرعُ الهيئةُ العربيّة للمســرح بالســودان : سائلــين عليــك !


تفاجئتُ من أيامٍ، عندما أجاب الأستاذ علي مهدي علي تساؤلٍ لي عن فرع الهيئة العربيّة للمسرح في السودان !
وكنت قد قرأتُ منذ فترة ببعض المواقع الاسفيريّة حديثا عن فعاليات للهيئة بالأردن ، وبعض الدول العربية الأخرى .ظننت أن الفرصة فاتت علي المسرح السوداني أيضا مثلما فاتت فرص عديدة عليه أو طُويت من البعض ؛بحيث لم نعلم أهي فاتت أم تم تفويتها.. وكذا ، ما لا يعلمون!
كان مفاجئاً لي، إذن ، أن يعلمني الأستاذ مهدي أن فرع الهيئة بالسودان قد تمّ تكوينه وان به فلان وعلان وان ذلك حدث من وقتٍ مبكرٍ..(علي الأقل قبل سؤالي عنها)!
لا ازعم إن لي المعرفة الكاملة بكل ما يطرأ علي مستوي الساحة المسرحية هنا بالرغم من ضآلة ما فيها وبؤسه ! إلا إنني لا زلت في حيرةٍ حامضةٍ من أمري ، أسال: كيف يكون بمقدوري أن أعرف ،بسهولة تامة، كل ما يتعلق بفرع الهيئة العربية للمسرح في الأردن والمغرب ومصر وسوريا وغيرها من بلدان عربية ، وفي مصادر موزعة علي هذه الجغرافيات المتعددة، ولا اعرف أن ثمة فرع لهذه الهيئة ، طيبة الذكر ، بالسودان !
الحال ،هنالك ما يشبه الشعور العام في الساحة المسرحيّة السودانية ان هنالك الكثير من الأمور تتم بالُمدارة والالتفاف ، وهذا الشعور يتربي ويتغذي بالكثير من التوابل ومحسنات الونسة بالطبع دائماً لكن لا تعوزه الأسباب المحفزة ؛ فالأفاعيل علي قفا من يشيل ، كما يقال!
افتقرت الساحة المسرحية منذ وقت مبكر لتلك النوعيّة المؤثرة من المسرحيين والتي كان بمقدورها ، في مرحلة مبكرة ، ان تُدِخل المسرح في العصب الحي للحياة السودانية العامة ! كان بمقدورها ان تُعطي لسهمها في النهضة بالمواطن والوطن حضوره الساطع إلي جانب أسهم فعاليات المجتمع الاخري !
افتقرت الساحة لتلك النوعيّة المسئولة من المسرحيين التي أحدثت مواعيد المسرح الفعلية منذ الثلاثينيات إلي نهاية مواسم الفكي عبد الرحمن؛ لتدخل ،بسبب من قبضة السياسي البائس من جانب وخيبة من عملوا في خدمته من المسرحيين من جانب آخر، إلي مواقيتها الزائفة ، الملتبسة ، الكسول ، الكاذبة ، المغشوشة ، الحائرة ،الممزقة ، الهينة ، المتوارية ، الميتة ، الدنيئة !
إلا من بعض الاشراقات الخافتة هنا وهناك في الثمانينيات وحتى هي لم يكن بمستطاعها أن تعين نفسها بأكثر من كونها لمعات خافتة في بحر من الظلمات،إن استجاب المجاز !
بصفة عامة بمقدورنا أن نلاحظ أن الحركة المسرحية السودانية ألان تتجلي ، في مناسباتها الشحيحة، وعبر الصحف ، والمنتديات ،متربة .. مغبرة بالمؤامرات والدسائس ، لا بالورش والمؤتمرات والأنشطة الخلاقة ، التي تعمق الفعل المسرحي وتثريه !وبمقدورنا أن نقرأ بالطبع في غياب المنابر .. الصالات والمجلات والدوريات .. بإمكاننا أن نقرأ في ذلك العديد من علامات هذا التجلي الكسيح !
هل سألنا عن اتحاد الدراميين ، عن حفاظه علي حقوق الدراميين ، حمايته لهم وإبراز قيمتهم كمبدعين ؟ أم ترانا سألنا عن ضعف حس المبادرة لدي قطاع واسع من الدراميين ، سلبيتهم في مقابلة حقيقة مريرة مثل : الحاجة إلي كيان!؟
في كل حال ، لا يحتاج بالطبع أمر تعيين وجوه التردي في الساحة المسرحية لبذل الكثير من الحبر ؛ فهو من الأمور التي أُستغرق فيها ،إشهاراً وتبيان .
صحيح أن ثمة جيل جديد من المسرحيين يعافر ألان ، ويكابد من اجل أن يأخذ استحقاقاته و يخلق فرصه التي تلبي تطلعاته وطموحاته ، ضمن شروط في غاية التعقيد ـ قل معادية أيضا ـ مُحفزاً ومُلهماً بالحركة المطلبية العالمية ، متوسطاً بالانترنت وعطاياها المعلوماتية ، وبالدفع النشط لبعض المنظمات والمؤسسات الأهلية، وهو يتمظهر بهياً ،وبقوة عين في مجاميع مثل جماعة السودان الواحد ،ومجموعة المسرح التنموي ، وفرقة المشيش ، وجماعة الورشة المستمرة لتطوير فنون العرض وغير ذلك ! أقول صحيح تماما هذا الحضور لهذا الجيل لكن الأكثر (صحة) أن جبال من التواريخ الكاسدة من خلفه وفي دوربه الجديدة !
كثير من مفاتيح قنوات العمل المسرحي العام لازالت صدئة في تلك الأيادي القديمة ، كثير من العلاقات العامة جري حصر وتضييق مجراها لتصب في تلك البرك الراكدة العجوز !
لذلك أنت عندما تنظر تجد ـ مثلا ـ انه منذ بدء المسرح هنا لم يتوفر إلا علي خشبة المسرح القومي اليتيمة تلك! وذلك لأن لا احد من أولئك الديناصورات امتلك تصوراً فعلياً لخدمة المسرح ليبني خشبة مسرح أخري ، لان لا احد منهم استشعر مسؤوليته ، بصفة عضويّة ؛ فرأي في عجزه ما يجعله يتنحي لغيره ، تسيدوا طيلة الوقت في عروشهم الزائفة ، وأورثوا هذا الجيل الجديد خيبات لا حصر لها لا تبدأ هنا ولا تنتهي هناك !
إذن ليس أقلّ ، ضمن هذه الظروف،من أن يسود ذلك الشعور العام الخبيث ، المتشكك ، اللئيم ، ليس أقل البتة! وان من (الأفاعيل )الداعية حالياً فيما نري هذا التكوين الجديد الموسوم بـ (مركز الهيئة العربية للمسرح بالسودان )؟
ولكي نبين ذلك نورد إننا كنا قد كتبنا ـ إلي جانب آخرين ـ في وقت سابق عن كيان مماثل هو مركز الهيئة الدولية للمسرح (iti)، وتساءلنا عن غياب المعلومات التي تعرّف بهذا المركز ، جاء ذلك في إطار محاولة لتعيين بعض المشكلات التي تتردي في حفرتها الساحة المسرحية تساءلنا كيف إن هيئة دولية للمسرح وتعد واحدة من الفعاليات المهمة في إشاعة ونشر المعرفة المسرحية، لا يُعرف عن مكتبها بالسودان شيء يذكر ، واشرنا إلي أن علاقة هذه الهيئة بواقع المسرح في السودان تبدو لنا مفقودة تماماً، فليس ثمة مشاريع منظورة اقترحتها ، او على الأقل أن ذلك غير معلن عنه!·
ليس ذلك فقط بل إن هذه الهيئة ليست معروفة - في حد ذاتها - بالنسبة لكل المسرحيين السودانيين - عدا القلة التي تدير مكتبها - لا احد يعرف مكانها، لم يطلع أي مسرحي على أية منشورات تعرف بها، وبطبيعة ما تقدمه بوصفها هيئة دولية معنية بالمسرح!·
لا نعرف لماذا نجدنا في حاجة إلي إعادة هذا الحديث ألان أيضا ونحن بصدد فرع الهيئة العربية للمسرح في السودان ، اذ انه، وبالرغم من مضي نحو عام علي تأسيس هذه الهيئة بمبادرة من حاكم الشارقة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لا نجد أي ذكر لها أو عنها في المنابر المتيسرة للمسرح هنا ، وفيما لو كان ذلك بسبب ان الهيئة عندما تم تأسيسها في القاهرة في 8سبتمبر2007 لم يكن من بين مؤسسيها واحدا ممن تم اختيارهم لإدارة مركزها بالسودان، فماذا بخصوص الاجتماع الذي تلي تعيين اللجنة التأسيسية بالشارقة بتاريخ 9 ـ 10ـ11 يناير 2008 م الم يذهب البعض ممثلاً للسودان (ممثلا للساحة المسرحية بشبابها وكبارها )!؟
شوف مرّ كم شهر !؟
وشوف كيف ألا احد قال بذلك ! أليس سؤالاً وجيهاً ان نقول لماذا لم يجد من ذهب الي هناك ـ ودعنا لا نسأل في انتخابه ـ داعياً إلي أن يذكر بالخير (ساي) مبادرة حاكم الشارقة لواحدة من صحفنا !؟ دعك من (ينوّر) الساحة المسرحية، من خلال مؤتمر صحفي عن أهمية هذه الهيئة دعك من ان يثقل علي نفسه بالحديث عن جدول الأنشطة المزمع إنجازها للفترة المقترحة بين 2008 و 2009 عن ورشة في الشارقة ورشتان في كل مركز بالأقطار العربية ،عن منح دراسية للمبدعين العرب لمواصلة الدراسات العليا في مجال التقنيات المسرحية.عن وضع صندوق لتوثيق الأعمال المسرحية يمول توثيق عشرة أعمال مسرحية.عن إنتاج أربعة أعمال للشباب في الأقطار العربية على أن يتم مفاضلة الأقطار العربية ذات الدخل القومي المحدود.عن إنتاج عمل عربي مشترك لتقديمه في مهرجان المسرح العربي يناير 2009 في القاهرة ،بحيث يدرج ضمن فعاليات القدس عاصمة الثقافة لعام 2009.عن تبني مسرحية للتجوال الدولي. عن ترجمة خمسة أعمال معاصرة من اللغة العربية إلى لغة أجنبية.
دعك من ان يثقل علي نفسه بالحديث عن مكتب للهيئة بالسودان تم تكوينه من: الدكتور سعد يوسف، والدكتور شمس الدين يونس وعثمان جمال الدين وعادل حربي والسر السيد وعلي مهدي دعك من أن يتحمل وزر الحديث عن ورشة إقليمية تحت عنوان (مسرح المجتمع ) ستقام في أكتوبر القادم بالخرطوم بمشاركة الصومال وموريتانيا وجيبوتي !؟ دعك من أن يزحم جدوله بوقفة لتنبيه المسرحيين الشباب :ان ثمة مسابقة في التأليف المسرحي سُيغلق باب التقديم لها في أكتوبر القادم تخص الهيئة ومن حقكم ان تنتفعوا بها!
ثم ما رأيك ـ يا السر السيد ـ لو تركنا كل الأسئلة، وقلنا بأمر مثل ( تمثيل المرأة )في هذا المكتب، ترانا قصدنا بذلك ان نسأل عمن انتخب هذا المكتب؟
لن تقول لي اتحاد الفنون الدرامية !
ولن أقول لك بالقطع : سائلين عليك !

نحو اتحاد جديد للدراميين السودانيين : اذان في مالطا !

نحو اتحاد جديد للدراميين للسودانيين
اذان في مالطا !
هكذا ومن تلقاء نفسه اعرب رئيس اتحاد الفنون الدرامية عن رغبته التنحي عن منصبه ودعا الدراميين الي عقد جمعية عمومية طارئة ليتسلم شأن الاتحاد مكتب جديد .ولقد مضي علي الامر نحو شهر أو يزيد وعلي الرغم من ذلك لم نسمع أو نقرأ عن أية حركة تحول رغبة علي مهدي الي واقع يختلف معه شكل هذا الكيان المهم / الاتحاد ، وتختلف ايضا معه التطلعات والطموحات في سبيل ساحة مسرحية فاعلة ومبادرة .
لانعرف ان كان الجميع بانتظار ان يوزع رئيس الاتحاد الراغب في التنحي ، رقاع الدعوة ويهيء الصالة والمخدمين لانعقاد الجمعية العمومية أم ماذا !
لكننا نعرف ان المشهد المسرحي يعيش حالة مريعة بالفعل وما رغبة علي مهدي، المعربة عنها هذه الا اشارة من الاشارات العديدة المدللة علي ذلك . وهي كذلك لانها ضمنياً تعني عدم رغبة علي مهدي في خدمة الساحة ،أو بعبارة ادق ادخاره لطاقته خدمة لمسرحه الخاص ، هذا من جهة ومن جهة ثانية هي اشارة علي حالة الساحة المريعة لانها ايضا تكشف لنا ضعف حس المبادرة لدي المسرحيين ، وتقاعسهم عن الاستجابة لاهم مطالب ساحتهم ، والمتمثلة في قيام كيان يعبر عنهم ويتصدي لقضاياهم التي لا حصر لها .
وفيما لو وقفنا في العبارة من جهة علاقتها برئيس الاتحاد الراغب في التنحي فانا نجد انه فشل في ادراةالاتحاد ، وهو فشل يند علي الكتابة هنا ان تحصره ، ولنجمله في القول ان الاتحاد عجز عن الاستجابة لكل المطالب الملحة في الساحة المسرحية بداية من اقامة الدار ، مروراً بعمل صندوق لدعم المرضي ، وصولاً الي اقامة الفعاليات المسرحية بما تضمنه من ورش وندوات وسمنارات وعروض مسرحية ..االخ ! والقول بان الاعضاء لا يسعفون الاتحاد في انفاذ خططه بعدم دفعهم الرسوم لا يصلح كمبرر باعتبار ان جزء من فعالية الاتحاد قدرته علي خلق علاقة خلاقة مع اعضاءه تدفعهم للايفاء بواجباتهم تجاهه. هذا ان لم نتساءل لماذا لم يتخذ رئيس الاتحاد أي اجراء غير الصمت في انتظار انتهاء الدورة ، أو تقادم الايام وصولاً امطلع يونيو المنصرم وابداء الرغبة في التنحي ! هذا ايضا ان لم نتساءل لماذا قدم عددا من اعضاء المكتب التنفيذي استقالاتهم في بداية الدورة .. لماذا بدا الانطباع غير الايجابي حول ادارة الاتحاد من بعض اعضاء مكتبها التنفيذي وساد عموم الساحة المسرحية !
لقد كان حرياً بالدراميين ان يدفعوا باتجاه ان يبينوا للعالم هذا الفشل و ذلك بأتخاذ مواقف تعبر عن هويتهم وكينونتهم بالفعل ، مواقف أكثر حيوية وفعالية من عبارات الاستهلاك الاعلامي التي يزوق بها البعض نفسه للصحف، متنهدماً بلباس الثوري ، والمناضل من أجل حقوق المسرحيين ؟!
لكن هاهو علي مهدي يستغل تقاعس المسرحيين وخمولهم ويشهر للناس عامة ، من خلال ابداؤه لرغبته في التنحي ، زهده عن اية امتيازات يمكن ان توجدها رئاسة اتحاد للدراميين، ويزيد بان يعد من يتولي الامر بعده بالمناصرة والمساندة ، وهذا ضرب من الشعر لا يعرف عروضه لا قاسم ابو زيد ، لا يحي فضل الله وقبلهما هاشم صديق .. لا .. انما علي مهدي وحده!

ان المتابع ، يمكنه ان يرصد بسهولة ان علاقة الدراميين بالاتحاد لم تتعد "شتمه" في الصحف ، وهو شتم يتم بصفة مجانية، يغلب عليه حس المجافاة الطفولية أكثر من الرؤية النقدية، المحققة بالاهتمام والمسؤولية. ويمكننا ان نتبين ذلك من خلال معاينتنا للطريقة التي اتبعها الرافضون لادارة الاتحاد لابداء معارضتهم .. انها لم تتعد عدم دفع الرسوم ، وليت هذا عني بلورة موقف ضد ادارة الاتحاد لا نوع من عدم الاحترام للتقاليد والقيم المؤسسية .
لم تستطع حركة الدراميين الكريمة ان تستلهم طريقة في المعارضة غير هذه اذن؛ فعلي ماذا يمكن ان يدل هذا ؟ فقر حاد في الخيال ، ضعف ارادة .. ولنعمم طيف هذه المجازات علي مجمل الساحة ، بالنسبة لنا ان القدر القليل من الطاقة الذي تعبر به الساحة الدرامية عن نفسها ما هو الا محض وهم .. زيف ، والا بما يمكن تفسير هذه السلبية التي "يتقنطر " بها الجميع تجاه أمور مثل تشغيل الخرجيين ، أقامة صندوق لدعم المرضي ، واخر لدعم البحث العلمي ، اقامة مقر ، خلق علاقات مع المشاهد المسرحية الاقليمية والدولية .. ، كيف يمكن لكل هذه الامكانيات ان تتنزل علي الواقع وكل واحد من الدراميين يتخندق وراء ابتكار الشعارات ولا يتخذ خطوة واحدة بعدها .
شعاراته غير المختبرة ، هذه الساحة أعظم مخرجيينها لا يحتوي سجل اعماله الا علي بضع اعمال يمكن عدها باصابع الكف الواحدة ، كبير نقادها لم يعط المكتبة غير كتاب واحد ، ولا تتحدث عن الممثليين . هو في الغالب تشغيل من الاجهزة الاعلامية . هكذا تعطينا المعادلة .. عندما نقرأ هذه المواقف الميتة ، هذه السلبية تجاه مصائر الدراما

الف كلمة في (من يدير المسرح القومي السوداني )


ألف كلمة في : (من يُدير المسرح القومي) !
بحق ، أريد أن اسأل ما هي المقومات التي تعتمدها وزارة الثقافة لكي تسمي شخصاً ما ، مديراً للمسرح القومي!وما هي فلسفتها عندما تختاره وهو ليس من بين موظفيها في ذات المؤسسة؛ وبما يتميز مقارنة مثلاً بموظفي المسرح القومي وسنين خدمتهم الطويلة ؛ ولنذكر منهم هنا صديق صالح تمثيلاً!
ـ وزارة الثقافة سبق أن قامت بتعيين الناقد فضل الله احمد عبد الله مديراً لذات المؤسسة ـ فيما كان يُفترض أن يتولي الموقع احد موظفي المسرح القدامى بحكم التدرج الوظيفي ، هكذا قالت الأيام التي أعقبت تعيينه ، وكلنا نعرف كيف أن أيامه ـ فضل الله ـ القليلة في المسرح القومي انطوت علي قدرٍ كبيرٍ من الإخفاقات المرّكبة والتي ربما لا زالت المؤسسة تعاني من بعضها الآن ويمكن أن تكون حالة الاختلافات المتفاقمة ما بين موظفي المسرح والتي تنعكس يومياً بقدرٍ أو بآخر في مستوي ما يُقدم منه سواء كان عرضاً مسرحياً أو منتديات أو أية أنشطة يُفترض أن يعبر بها عن حضوره بوصفه منبراً ثقافياً تدعمه الدولة، يمكن أن تكون هذه الحالة تعبيرًا مجازياً عن وجوه ذلك الإخفاق، ولعل د. أمين حسن عمر وزير الدولة بالثقافة شهد فاصلاً مؤثراً في هذا الباب عند حضوره سمنار الفرقة القوميّة الذي أقيم بمسرح الفنون الشعبيّة مطلع مارس الماضي !
ـ وفي هذا السياق ..عندما عُهد اخيراً بإدارة المسرح لعمر الخضر كان الرجل قد استغرق كثيراً يلاحق استحقاقه في الإدارة بالمطالبات والشكاوى ما بين المحاكم ذات الصلة والصحف ، وعندما عُهد إليه بالأمر في النهاية كانت المشاوير قد استهلكته والأيام قد انقضت وقرب ميقات معاشه ، وفي هذا الحصر حاول الرجل أن يثبت قدرته في الإدارة مغالباًً العديد من الظروف المعقدة ..وما كان له بالطبع في هذا الوقت المحدود أن يحرز ما يمكن ذكره !
ـ ما الذي يمنع حدوث الشيء نفسه الآن ..ما الذي يمكن أن يمنع قيام احد الموظفين الكلاسيكيين بدور عمر الخضر ، يرفع شكاوي ..يطالب بمقابلٍ لبذله شبابه في تلك المكاتب الرطبة ، التي لطالما غمرتها مياه النيل (!) ما الذي سيخسره أكثر مما سيخسره في حال سكت علي تعيين شخص غيره مديراً للمسرح !
يمكننا أن نتصور المشهد من بعد .. ؛ فهل هذا ما تريده وزارة الثقافة ! هل تريد الوزارة للمسرح أن يظل بهذه الحالة الهشة التي خلّفتها التقديرات الخاطئة السابقة ..هذه الحالة التي تعبر عنها مقاعد الصالة الخالية من الجمهور ، ضعف التجارب المسرحية ، ضمورها كمياً ونوعياً .. المشاركات الخارجية الملتبسة ، الخائبة ، المتعثرة ،الخ ، هذه الحالة التي يعبر عنها إيجار خشبة المسرح للفرق (الغنائية ) ،والتي يعبر عنها هذا الوضع الهامشي الذي تعيشه هذه المؤسسة العريقة في علاقتها بمشهد المسرح العام محلياً واقليمياً وعالمياً!
ـ قد يقول قائل أن من هم في المسرح الآن يفتقرون للمزايا الإدارية التي تؤهلهم لإدارته؛ لطالما قيل ذلك ..علي كل حال ، لكن السؤال : أليس أحقّ بالنظر والإبدال نظام المؤسسة الذي لا يستطيع فرز هذه النوعيّة (السوبر ) من بين العاملين به !
ثم ألا ينطوي مثل هذا القول (أو التقدير ) من وزارة الثقافة ـ بالنظر الي اختيارها لشخص من خارج المسرح للإدارة ـ ألا ينطوي علي حكم بتقصيرها (هي ذات نفسها) في إدارة المسرح القومي ! ألا تُسأل لماذا لم يعد من قدرة المسرح القومي أن يعلي مديراً بمواصفات كافية من بين موظفيه ! وهل هو حلٌ لهذه المشكلة أن يؤتي بشخص ما ليقف علي رأس بناء هناك حكم مسبق علي ضعف أساسه !
وهذا الذي جاء أو جيء به هل بمستطاعه فعل شيء ، فيما لو قبلنا هذا الحكم القائل بعدم اقتدار من هم هناك علي تولي مسؤوليات الإدارة ، هل بمقدوره العمل لوحده ! ما هذه الكثرة من الموظفين في المسرح القومي إذن!؟
ـ د.شمس الدين يونس الذي تقول الصحف هو من اختارته الوزارة لإدارة المسرح القومي .. ما هي المزايا التي يتوفر عليها ويفتقر إليها من هم هناك ؟ هذا الوضع يفرض طرح هذا السؤال بالفعل !
د.شمس الدين هذا لو نظرنا إليه في سياق تجاربه الإدارية نحصل علي الأتي .. هو أمين مكتب الهيئة الدولية للمسرح بالخرطوم، وقيل انه أمين مكتب الهيئة العربية للمسرح بالخرطوم..وهو أمين اتحاد الفنون الدرامية.. (الآن هو يحمل هذه الصفات )ولقد تعرّفت علي صفاته العديدة هذه ـ للمفارقة ـ في خضم تحقيقات صحفيّة ونقاشات تساءل ذات هذه المؤسسات والكيانات حول فعاليتها ودورها الغائب في المشهد المسرحي ! وليس علينا الآن إلا أن نسأل عن أنشطة هذه المؤسسات،.. نسأل عن خشبات المسارح التي أقامتها ، عن الأنشطة التي ألهمت بها وزارة الثقافة ؛ فدعمتها ! عن برامج المنح التي استقطبتها ، عن الابتعاثات ، عن شارع يحمل اسم الفاضل سعيد ، أو عوض صديق ..كان لها الفضل في الإيعاز بتسميته .. عن وعن ؟! ما الذي سنحصل عليه ؟
ـ يعاني المسرح القومي إشكاليات عديدة وعندما يُدار أمره علي هذا النحو فان ذلك يعمّق أسباب تردياته ويقعد به عن الإسهام الحي في الحياة المسرحيّة ووزارة الثقافة تفوّت علي نفسها فرصة مثالية لتظهر للمسرحيين اهتمامها بمجالهم عندما تري أن من الأفضل لها في هذا الوقت بالتحديد مواصلة ما أثبتت الأيام الماضية خطأه !
ـ لا قيمة في تقديري للقول الذي يفيد أن من حق الوزارة أن توكل أمر المسرح لمن تريد .. القيمة في السؤال عما يمكن أن يخلّفه ذلك ليس فقط علي مستوي طرائق إدارة الأمور داخل المسرح ـ في وجود فئة حانقة ـ بل علي مستوي علاقة هذه المؤسسة بالحياة المسرحية العامة .. وفي الخاطر غياب اتحاد الفنون الدرامية ، وهو غياب نستطيع القول أن للوزارة سهمها فيه كما للمسرحيين؛ فهي لم تقدم ما يليها من دفعٍ وتحريكٍ ضروريين للساحة ، وان فعلت مرة أو اثنين فان ذلك يحدث في نطاق ضيق ، وبصفة طارئة (المهرجانات) لا تبلوّر اتجاها مسرحياً عاماً ولا توحِي به ؛ بس تراكم المشكلات !
وبسبب من ذلك لم تستطع الساحة المسرحية أن تتعين بالصورة التي تكسبها تأثيرها في المشهد الثقافي العام.. ضعفت كياناتها إن لم نقل انعدمت ، غابت مبادراتها .. خابت مشاريعها هنا وهناك وتردت بتمام أهلتها !
ـ يصادف يوم 17 نوفمبر المقبل مرور نصف قرن من عمر المسرح القومي ، وأيام قليلة تفصلنا عن الميقات الذي يصادف مرور (مئة عام) علي حضور فن المسرح في المشهد الثقافي السوداني فيما لو استندنا علي عرض مسرحية (المرشد السوداني ) لمأمور القطينة 1809 ؛ فهل نتقدم لهذه المواعيد التاريخية الفارقة علي هذا النحو البائس .. يا للمصائر التعيسة !
عصام أبو القاسم

الخميس، 13 نوفمبر 2008

روح

لا يمكنك تصور ذلك....!
لقد كان جحيماً لا يوصف .. حقيقة، كيف ــ فقط ـ بامكاني ان اصف لك ذلك؟
ياااه..
كل تلك البلايا التي لا تطاق ، والتي انهالت عليّ باستمرار. لقد غلبني النوم طوال الوقت.. صوت المغني الصاخب، ضجيج الاورغن، دوي الرصاص، الصيحات، الصفير الغليظ، ودائماً، مشاعر الخيبة الثقيلة المركزة بقلبي.. اضطرابي..النار المؤججة الجائلة بداخلي.
آه كل تلك الاشياء.. كل تلك الاشياء،
وصورتك .. صورتك التي كنت اراها باستمرار وامضة ، خلال الظلمة ، صورتك .. وانت معي في تلك المساءات الحلوة ، بأماكن عديدة، هنا وهناك ، وعيناك الضاجتان بالافراح.. دائماً تلمعان بوجهك الصغير المرح، الذي طالما لعقته بأكمله . تلمعان.. تلمعان، لحظة ثم اراني امام صورتك وانت مع عريسك الآن ، تجلسين بكوشتك المزدانة الحافلة الزينات ، في فستان زفافك الياسميني ، بالجمال كله. ومن حولك صديقاتك، معارفك و... و، وخلال ذلك باستمرار، المغني الصاخب، الزغاريد، الصيحات ، القيامة بذاتها...ازدرد ريقي حامضاً ثقيلاً ، اتقلب في فراشي المحموم، بتعاسة تامة ادفن وجهي في وسادتي.. لكن كأنني لم افعل شيئاً!
اعرف انني لن استطيع نقل ذلك ..اعرف .. اعرف.. ما اصعب ذلك؟
وفي وقت ما قمت وجلست بطرف فراشي، ورحت افكر باشياء عديدة لا اذكرها الان.. كانت كأنها الهلوسة. وطوال الوقت حالتي مضطربة وهائجة . لكن بوسعي ان اتذكر ، بصورة ما ، انني كنت افكر.. افكر افكر في ... بعد ان ترحلين ، هكذا ، برفقته الى الخارج حيث يعمل هو -كما قيل- في احدى الشركات الكبرى.. كنت افكر.. افكر: ترى هل ساخطر.. سأخطر ببالك؟
واذكر ذلك الحنين الغامض الذي غمرني وقتها ، ورحت اتساءل .. تراني ساخطر ببالك حقاً؟
.. هل سيحدث ذلك؟
فجأة تلوح لك صورتي ، مثل نسمة رقيقة ، سريعة وعابرة.. في مكان ما ، في زمان ما .. ببيته .. الهناك بالخارج.ياه!
ما احلى ذلك!
تراني اخطر؟
ام انك لن تدعي لذلك مجالاً.. لا ...لا.. ابداً ، لانك ، كما كتبت لي في اخر رسائلك ، الغيتني من مشاعرك.. اغلقت دوني ابواب عوالمك ، حرقت رسائلي المغشوشة اليك، كما كتبت لي.منذ ذلك اليوم.. ذلك اليوم المشؤوم ، حين تفاجأت بنا، انا وتلك الفتاة التي لا اذكر اسمها الان في تلك الظهيرة، بحجرتي... تفاجأت بنا عندما دفعت الباب، ، ورأيت اننا (....) انا وتلك البنت، وسقطت من يديك الرقيقتين ، تلك الهدايا الجميلة (الصابون والعطور والفانلات الصوفية الراقية.. الجنز) والتي جلبتها لي اثر عودة ابيك من الخارج.آه حبيبتي!روح.. !؟انها روح غريبة خفية .. تدفعني دفعاً لهذه البلايا. ولا يد لي بذلك !!
روح .. كيف يمكنني ان اصفها لك؟
آه على اية حال، روح .. روح لعنة شيطانية ، نفثة من وادي الجن.. لا اعرف ..لا .. لا اعرف...، قوية لا املك الا ان اكون اسيرها .. رهن اشارتها وخروجها..، تتملكني فجأة واجدني محموماً ، بحمى مهلكة ، واجدني ..ابحث .. ابحث عن فتاة.. عن ابليسة من نار ، لا اذكر اسمها ، عادة عقب فوات هذه البلية مني، حيث لا وقت محدد، اعرفه، لذلك وفيما انا ابحث فإنني احس كأنني ممتلئ بسر سحري غامض، وانني في مشي كأنني اطفو، بمسرة عميقة، فوق سطح مياه سحرية ناعمة ، طفواً رخياً حالما، واشعر خلال ذلك، بالخدر اللذيذ الممتع يسري في اوصالي، وتتبدل الاشياء لعيني، بالوان شتى متداخلة ، للحظة ثم تستقر ، الاشياء كلها ، بلون كابي واحد هادئ ... هادئ وحلمي...لقد اعتقدت دائماً انه مرض يا حبيبتي، مرض خبيث ابقيته خبيئاً في نفسي !
عقب ذلك فجأة، انهمر الرصاص غزيراً اخافني حقا. وحدت الزغاريد ، والصيحات و... و.. ، وقمت واقفاً ، في الظلمة ، مصدوماً بمشاعر متناقضة قاسية. وفكرت لحظتها انك حضرت لتوك من الكوافير، وحضرت امام عيني في فستان زفافك.. نزلت من العربة الصغيرة الفارهة المنورة والتي زينت بشغل السلفان وجريد النخل، واخذ بيدك الناعمة . هو ، وسرتما يداً بيد، في الجو البهيج من حولكما .. الزغاريد.. ايقاع الاورغن، الصيحات و... و....آه.. كم كان ذلك قاسياً عليّ انا الكائن الوحيد البائس بالحجرة المطفأ نورها والمغلقة نوافذها ..هناك بمكان ما ، في غير مركز العالم : ساحة منزلكم.واستبدت بي رغبة ملحة للخروج لمشاهدتكما ..معاً ، الآن ، ولم افكر كثيراً. فتحت الباب وهرولت مهسهساً بايقاعات الاورغن المجنونة.. ثم ، وقبل ان اصل الى ساحة منزلكم فجأة، فيما كنت امر بزقاق الشيخ علي، فجأة وقفت وقفة لا ارادية ، شعرت بركبتي لا تقدران على حملي، وجلست وقد زادت خفقات قلبي، مشوشاً ، مضطرباً، وفح جلدي بالحمى .. الحمى الغريبة إياها، وشعرت كأنني ممتلئ بذلك السر السحري.. ادركت الحال. تلفت حولي فرأيت .. رأيت فتاة ما .. ابليسة ..لا اذكر اسمها الآن، قدمت باتجاهي من ساحتكم ، اذكر ، وكأنها تقصدني . وامكنني لحظتها ، فقط، ان اقوم بساقين سهلتين واتجه، وكأنني اطفو ، بمسرة عميقة، فوق سطح مياه شيطانية ناعمة ، طفواً رخياً سلساً ، واتجه اليها . كانت الفتاة النارية .. الحامية سهلة ومبادرة.. انساقت لي من لحظة فقط، في الحق .. مثلها مثل كل اللائي يقعن في طريقي وانا بروحي .. ببلوتي هذى . وكأنها كانت تعاني الشئ نفسه، او كأن لروحي الغريبة .. سطوتها حتى على غيري.
كلام فارغ


ما أن رأيته، من ظهره المحدودب، يمضي باتجاه مكتبه، حتى خطر ببالي أن اسارعه بالتحية، ثم احكي له ، لن انتظر أن يرد لي ؛ فهو لا يهتم!
**
لكنني ترددت قليلاً. نظرت إليه وهو يجلس ثم يفتح كيسه البلاستيكي ويخرج علبة مزيل العرق ويدّور يده بها علي رأسه وإبطيه بخاً متصلاً .ثم يضعها علي منضدته،و يدعك فروة رأسه الأصلع بعصبية . ثم ينظر إلىّ من فوق عدستي نظارته ويسألني :
- كيفك، أمورك كلها جيدة ؟
أجبت :
- تمام.
وجعلت انظر إليه، أحاول أن أجد بوجهه الصغير المليء بالبثور، ما يخففني ويجعلني أفضي له، بلا تشوش أو قلق، بما يعتمل بحوانيتي . خفقة تجاوب خفيفة ترهف بها الثنيات الدقيقة تحت عينيه تكفيني لأبدأ حكايتي !
رأيته ينشغل بكيسه مرة أخري. يخرج بعض الأوراق والقصاصات الصحفية وينحني عليها بعينيه المتسعتين خلف عدستيه. لو بدأت الآن ألحكي سأفقده تركيزه في أوراقه، ولشد ما سيزعجه ذلك ويحمله علي ان يلجمني . أو هو سيجيء علي نفسه لحين وينصت لي متظاهرا ً بالاهتمام، ثم يفحمني :

- دا كلام فارغ ساكت !

أو هو سيقول لي - علي سبيل الحديث في أمور أكثر أهمية وحيوية - لماذا لم تلتحق بكورس اللغة الانجليزية . سيقلب السيرة رأسا علي عقب أذن . ويمضي قائلاً : لن تجد أي عمل إلا في المنظمات العاملة في دارفور والشرق، الكل يسعي إليها ألان، مرتباتها بالدولار. وقد تجد فرصة للهجرة إلي أمريكا أو بريطانيا.. البلد دي ما نافعة. تعّلم الانجليزية بأسرع ما يمكنك .. ليس هناك وقت. العمر يمضي، ستجد انك في آخر عمرك بعد غمضة عين . أنت شخص جيد فلا تضيع فرصتك .إن لم يقل ذلك فأنه سوف يتهكم عليّ قائلاً انشغل بهذه الأمور .. انشغل بها لأنها سوف تحل ديوانك، سوف لن تنشغل مرة ثانية بالعم صلاح صاحب البقالة .وتغلق موبايلك حتي لا يلاحقك، بل ستذهب إليه بعين ملآنة وتدفع له حقه عندك علي داير المليم .هذه الأمور أيضا سوف تجعلك شاباً حداثوياً تلبس الجينز وعلي كتفك لاب توب وكاميرا ديجتال وكلام فارغ،تجعلك ترسل بعض الجنيهات لأهلك، وتتكرم علي حبيباتك بدعوات في افخم الكفتريات ..هه!
***
ان حكيت له الان،ان بدوت جاداً بأي قدر ..شددت خيوط وجهي، استخدمت يداي ممعنا في أظهار جديتي ربما رقَ وأكترث . علي كل حال لابد له ان يحترم مشاعري ان لم يحترم رغبتي في الإفضاء له بإسراري . ثم إنني لطالما أنصت له وهو يحكي لي أهوال زوجته نعمة . أمس فقط كنت سخياً لأبعد حد معه وهو يحكي لي قرابة الساعتين كيف انها كانت سيئة معه ولم ترحمه لتأخر المرتبات، يوم الجمعة الماضية واثر زيارة بعض أقاربها لهما وأخذت تلهب أذنه علي مرأي ومسمع منهم، كأنها تستقوي بهم، وتسأله:
- لمتين .. لمتين ؟؟!
لقد وافقته علي أنها يجب ان تراعي ان الأمر ليس بيده، وحينما قال لي إنها تحاول منذ وقت ان تبقيه في المنزل لرعاية وليدهما الصغير بدلا من المجيء إلي الصحيفة التي لا تدفع له وافقته علي ان شأن رعاية الطفل يخصها هي المرأة لا هو الرجل.علي الرغم من ان هذه وجهة نظر متحيزة، بل ورجعية كذلك !
ان عليه ان يسمعني إذن، ان يترك ما بيديه، ما الذي بيديه مجرد مقالات صحفية سوف يقرأها لينتقد أصحابها بزوايته في عدد الصحيفة الصادر غدا. أهذا أكثر أهمية من الإنصات لي !

***
فجأة سمعته يتحدث:
- عارف البلد دي مقبلة علي انهيار كبير .. في مؤشرات كتيرة علي دا! كل شيء يؤكد ذلك . تعرف أمس مشيت لعيادة أسنان ..
- ها ..
- لاقيت طبيبة جميلة - لو شفت شفايفها - المهم ..أثناء العملية ارتبكت. طبعا لأنها مع راجل راجل هو انا. هه. من شدة ارتباكها خلعت جزء من ضرسي وما قدرت تخلع الجزء الآخر.
- اها..!؟
- اها شنو دايراني اقول ليها شنو .. !

- الحصل ايه بعدها ..
رأيته يصّر علي أسنانه بعصبية، كأنه تذكر ألآلام تلك اللحظة، يهز رأسه و يبتسم باستغراب، ويقفز علي الموضوع :
- المرتبات قولوا عنها شنو ؟
لم ينتظر اجابتي .
واستطرد :
- ما فيش فلوس طبعا!
صمت لبرهة، ثم سألني :
- عليك الله دا شغل ولا سخرة ..تلاتة شهور بلا مرتبات ..انا ما عايز اشتغل هنا تاني بس خليهم يدفعوا لي قروشي .. انشاء الله نصها .. ربعها ..أي حاجة منها..
- ح تشتغل شنو !؟
- ما عارف والله بعد دا الا الواحد يشتغل "....... " !؟
ضحك وأردف :
- لكن بيلقي قروش ؟
***
عائشة بائعة الشاي ما ان رأتني في الصباح حتي لاحظت ان بوجهي عكرة، سألتني ما الذي حدث ولماذا ابدو هكذا كدت أحكي لها من شدة شقائي، لكنني فضلت امضي بكوب الشاي الي المكتب، بعد ان ابتسمت لها ممتناً . في الممر الي مكتبي خطرت ببالي سارة، واحدة من حبيباتي القديمات، كانت تقول لي ان خيطاً رفيعاً يظهر علي جبهتي كلما اعتكرت . لا اعرف لماذا لم يلحظ هو هذا الخيط، تراه لاحظ ذلك ولا يريد ان يسألني حتي لا يعمق ما بي، اما انه رأي ان ذلك عادياً مثل خروج الريح . كما يقول عادة عندما يريد ان يبسط أمراً ما .
***
سمعته فجأة يردد:
- بالله شوف دا.. بالله !
رفع لي قصاصة صحفية ميزت بها صورة الكاتب الطاهر ساتي، دققت لم استطع ان اميز منها شيء . سألته :
- مالو ؟
- دا وعثمان ميرغني والتاني بتاع البيطرة داك أي واحد فيهم عامل فيها محمد حسنين هيكل .. خلاص عارفين أي حاجة يعني .
- ما لو الطاهر ساتي ؟
دخل المكتب، في ذات اللحظة،عباس يغني "استنيني استينيني انت مصيرك تستنيني " باشاً محتقباً حقيبته الجلدية الخرقة ؛ فبادره بسرعة :
- اها امبارح كانت ليلتكم كيف ؟
***
انشغل بعباس كلية، وعباس أخذ يحكي له وقد ملأ وجهه المرح بالضحك كيف ان أحمد نصر كان كريماً معه ليلة أمس أذ أحضر له علي العشاء ربع لحمة مشوية وفول مصلح وقارورة بيبسي بارد . وحينما دخل أحمد نصر الي المكتب سمعته يسأله :
- انت بتلقي القروش وين عشان تعزم عباس لحمة مشوية وبارد ..
كان أحمد نصر يبدو متعباً كأنه لم ينم جيداً، لم يكترث للسؤال ومضي ليجلس بمكتبه . عاد وسأله مرة أخري عن الفلوس، فقاطعه أحمد نصر وقد بدأ متضايقاً من المزاح، بلباس سكرتير التحرير الحازم . وسأله ان كان قد انتهي من مقاله لم يجب عليه . ونظر اليه مبتسماً، فقال له أحمد نصر ان عليه ان ينتهي من المقال بسرعة . تدخل عباس وافتعل حديثاً عن ازياء الجماعات المسلحة في دار فور، قال انه يجهد خياله من أيام ليكتب عن دلالات الوانها وتصميماتها . انحني هو وأخذ في كتابة مقاله . انشغل احمد نصر بساندوتش بين يديه، بقيت انا استمع لعباس وهو يتقافز بحديثه بين تلك الحركات المسلحة، وبن لادن في ظهوره الاخير، وذكري محمود محمد طه، وغرفة ضيقة بالحاج يوسف قال انه ربما يؤجرها بمئتين الف جنيه ويحضر زوجته من الشمالية، ثم كثرة الباعوض في جبرة . والبنت التي راها معي أمس الاول، وان كنت قد احببتها فوجهها ينم عن انها بنت ناس ...
***
لم يرفع هو رأسه الا عندما حضر العم ياسين، ابتدره من أول :
- عم ياسين لقيت حبات الاسبرين الالمانية
أومأ عم ياسين برأسه ان نعم ومضي ليجلس الي جوار أحمد نصر، وأخذ يقلب صفحات ذات العدد الذي يحمله دائما من مجلة الوحدة العربية وقد بدأ غير متجاوب معه . لكنه لم يدعه وسأله وقد طبع علي وجهه مسحة اهتمام:
- السكري والضغط كيف .. ؟
رفع العم ياسين رأسه وسأله بتحفز :
- انت ما عندك اية شغلة غيري !؟
ضحك هو حتي بان ضرسه المخلوع بالخطأ، وقال له بين ضحكه، يا راجل يا عجوز انت لقيت زول بسألك عن حالك وابيت، قالوا رضينا بالهم والهم ..، تدخل احمد نصر هذه المرة، وطلب منهما ان يصمتا . ولم يصمت هو وسأل احمد نصر:
- انت لسة سكران !؟

***
كانت الخامسة علي ساعتي حينما رأيته يدخل من باب المكتب فجأة عائدا من مشوار خرج اليه بعد ان أكمل مقاله وأسلمه احمد نصر، ودنا مني قائلا :
- انا من الصباح لاحظت انك عايز تقول لي داير قروش لكن ما كان معاي والله وقتها.. هاك !
وحشر يده برزمة مال في جيب قميصي واسرع خارجا وهو يغالبني :
- عارفك .. عارفك مفلس انا ما ح أرجعها ..
- تعال ..
أسرع خارجاً. .!
.