ألف كلمة في : (من يُدير المسرح القومي) !
بحق ، أريد أن اسأل ما هي المقومات التي تعتمدها وزارة الثقافة لكي تسمي شخصاً ما ، مديراً للمسرح القومي!وما هي فلسفتها عندما تختاره وهو ليس من بين موظفيها في ذات المؤسسة؛ وبما يتميز مقارنة مثلاً بموظفي المسرح القومي وسنين خدمتهم الطويلة ؛ ولنذكر منهم هنا صديق صالح تمثيلاً!
ـ وزارة الثقافة سبق أن قامت بتعيين الناقد فضل الله احمد عبد الله مديراً لذات المؤسسة ـ فيما كان يُفترض أن يتولي الموقع احد موظفي المسرح القدامى بحكم التدرج الوظيفي ، هكذا قالت الأيام التي أعقبت تعيينه ، وكلنا نعرف كيف أن أيامه ـ فضل الله ـ القليلة في المسرح القومي انطوت علي قدرٍ كبيرٍ من الإخفاقات المرّكبة والتي ربما لا زالت المؤسسة تعاني من بعضها الآن ويمكن أن تكون حالة الاختلافات المتفاقمة ما بين موظفي المسرح والتي تنعكس يومياً بقدرٍ أو بآخر في مستوي ما يُقدم منه سواء كان عرضاً مسرحياً أو منتديات أو أية أنشطة يُفترض أن يعبر بها عن حضوره بوصفه منبراً ثقافياً تدعمه الدولة، يمكن أن تكون هذه الحالة تعبيرًا مجازياً عن وجوه ذلك الإخفاق، ولعل د. أمين حسن عمر وزير الدولة بالثقافة شهد فاصلاً مؤثراً في هذا الباب عند حضوره سمنار الفرقة القوميّة الذي أقيم بمسرح الفنون الشعبيّة مطلع مارس الماضي !
ـ وفي هذا السياق ..عندما عُهد اخيراً بإدارة المسرح لعمر الخضر كان الرجل قد استغرق كثيراً يلاحق استحقاقه في الإدارة بالمطالبات والشكاوى ما بين المحاكم ذات الصلة والصحف ، وعندما عُهد إليه بالأمر في النهاية كانت المشاوير قد استهلكته والأيام قد انقضت وقرب ميقات معاشه ، وفي هذا الحصر حاول الرجل أن يثبت قدرته في الإدارة مغالباًً العديد من الظروف المعقدة ..وما كان له بالطبع في هذا الوقت المحدود أن يحرز ما يمكن ذكره !
ـ ما الذي يمنع حدوث الشيء نفسه الآن ..ما الذي يمكن أن يمنع قيام احد الموظفين الكلاسيكيين بدور عمر الخضر ، يرفع شكاوي ..يطالب بمقابلٍ لبذله شبابه في تلك المكاتب الرطبة ، التي لطالما غمرتها مياه النيل (!) ما الذي سيخسره أكثر مما سيخسره في حال سكت علي تعيين شخص غيره مديراً للمسرح !
يمكننا أن نتصور المشهد من بعد .. ؛ فهل هذا ما تريده وزارة الثقافة ! هل تريد الوزارة للمسرح أن يظل بهذه الحالة الهشة التي خلّفتها التقديرات الخاطئة السابقة ..هذه الحالة التي تعبر عنها مقاعد الصالة الخالية من الجمهور ، ضعف التجارب المسرحية ، ضمورها كمياً ونوعياً .. المشاركات الخارجية الملتبسة ، الخائبة ، المتعثرة ،الخ ، هذه الحالة التي يعبر عنها إيجار خشبة المسرح للفرق (الغنائية ) ،والتي يعبر عنها هذا الوضع الهامشي الذي تعيشه هذه المؤسسة العريقة في علاقتها بمشهد المسرح العام محلياً واقليمياً وعالمياً!
ـ قد يقول قائل أن من هم في المسرح الآن يفتقرون للمزايا الإدارية التي تؤهلهم لإدارته؛ لطالما قيل ذلك ..علي كل حال ، لكن السؤال : أليس أحقّ بالنظر والإبدال نظام المؤسسة الذي لا يستطيع فرز هذه النوعيّة (السوبر ) من بين العاملين به !
ثم ألا ينطوي مثل هذا القول (أو التقدير ) من وزارة الثقافة ـ بالنظر الي اختيارها لشخص من خارج المسرح للإدارة ـ ألا ينطوي علي حكم بتقصيرها (هي ذات نفسها) في إدارة المسرح القومي ! ألا تُسأل لماذا لم يعد من قدرة المسرح القومي أن يعلي مديراً بمواصفات كافية من بين موظفيه ! وهل هو حلٌ لهذه المشكلة أن يؤتي بشخص ما ليقف علي رأس بناء هناك حكم مسبق علي ضعف أساسه !
وهذا الذي جاء أو جيء به هل بمستطاعه فعل شيء ، فيما لو قبلنا هذا الحكم القائل بعدم اقتدار من هم هناك علي تولي مسؤوليات الإدارة ، هل بمقدوره العمل لوحده ! ما هذه الكثرة من الموظفين في المسرح القومي إذن!؟
ـ د.شمس الدين يونس الذي تقول الصحف هو من اختارته الوزارة لإدارة المسرح القومي .. ما هي المزايا التي يتوفر عليها ويفتقر إليها من هم هناك ؟ هذا الوضع يفرض طرح هذا السؤال بالفعل !
د.شمس الدين هذا لو نظرنا إليه في سياق تجاربه الإدارية نحصل علي الأتي .. هو أمين مكتب الهيئة الدولية للمسرح بالخرطوم، وقيل انه أمين مكتب الهيئة العربية للمسرح بالخرطوم..وهو أمين اتحاد الفنون الدرامية.. (الآن هو يحمل هذه الصفات )ولقد تعرّفت علي صفاته العديدة هذه ـ للمفارقة ـ في خضم تحقيقات صحفيّة ونقاشات تساءل ذات هذه المؤسسات والكيانات حول فعاليتها ودورها الغائب في المشهد المسرحي ! وليس علينا الآن إلا أن نسأل عن أنشطة هذه المؤسسات،.. نسأل عن خشبات المسارح التي أقامتها ، عن الأنشطة التي ألهمت بها وزارة الثقافة ؛ فدعمتها ! عن برامج المنح التي استقطبتها ، عن الابتعاثات ، عن شارع يحمل اسم الفاضل سعيد ، أو عوض صديق ..كان لها الفضل في الإيعاز بتسميته .. عن وعن ؟! ما الذي سنحصل عليه ؟
ـ يعاني المسرح القومي إشكاليات عديدة وعندما يُدار أمره علي هذا النحو فان ذلك يعمّق أسباب تردياته ويقعد به عن الإسهام الحي في الحياة المسرحيّة ووزارة الثقافة تفوّت علي نفسها فرصة مثالية لتظهر للمسرحيين اهتمامها بمجالهم عندما تري أن من الأفضل لها في هذا الوقت بالتحديد مواصلة ما أثبتت الأيام الماضية خطأه !
ـ لا قيمة في تقديري للقول الذي يفيد أن من حق الوزارة أن توكل أمر المسرح لمن تريد .. القيمة في السؤال عما يمكن أن يخلّفه ذلك ليس فقط علي مستوي طرائق إدارة الأمور داخل المسرح ـ في وجود فئة حانقة ـ بل علي مستوي علاقة هذه المؤسسة بالحياة المسرحية العامة .. وفي الخاطر غياب اتحاد الفنون الدرامية ، وهو غياب نستطيع القول أن للوزارة سهمها فيه كما للمسرحيين؛ فهي لم تقدم ما يليها من دفعٍ وتحريكٍ ضروريين للساحة ، وان فعلت مرة أو اثنين فان ذلك يحدث في نطاق ضيق ، وبصفة طارئة (المهرجانات) لا تبلوّر اتجاها مسرحياً عاماً ولا توحِي به ؛ بس تراكم المشكلات !
وبسبب من ذلك لم تستطع الساحة المسرحية أن تتعين بالصورة التي تكسبها تأثيرها في المشهد الثقافي العام.. ضعفت كياناتها إن لم نقل انعدمت ، غابت مبادراتها .. خابت مشاريعها هنا وهناك وتردت بتمام أهلتها !
ـ يصادف يوم 17 نوفمبر المقبل مرور نصف قرن من عمر المسرح القومي ، وأيام قليلة تفصلنا عن الميقات الذي يصادف مرور (مئة عام) علي حضور فن المسرح في المشهد الثقافي السوداني فيما لو استندنا علي عرض مسرحية (المرشد السوداني ) لمأمور القطينة 1809 ؛ فهل نتقدم لهذه المواعيد التاريخية الفارقة علي هذا النحو البائس .. يا للمصائر التعيسة !
عصام أبو القاسم
هناك تعليق واحد:
كل الود والاحترام يا اخي عصام
وانااتعمق في سطور هذا المقال كنت امني نفسي ان اجد طرح لحل ولو افتراضي. يخدم المسرح واهل المسرح الذين يشكلون اكبر هموم هذا الكيان.
انا اتفائل كثيرا بابناء هذا الجيل من مثقفي ودارسي ومعتركي هذا المضمار وكثرة عددهم وباختلاف توجهاتهم وارائهم الفكرية والسياسية والعقائدية بان يتم علي خطاهم تحول كبير وجزري فقط اذا ماتجاوزنا تلك النزاعات والخلافات اللتي توارثناها من اجيال قدمت كل ما هو ممكن ومبدع من فردية مميزة.
او " شللية" تندرج لدي تحت "فردية موسعة".
في انتظار تجاوزك لما هو معتاد الي ما هو مرجو.
إرسال تعليق